بقلم: دانيا النابلسي - باحثة في العلاقات الاقتصادية الدولية
لم تعد الحمائية التجارية المعاصرة مجرد صراع تقليدي على الرسوم الجمركية وفرض الحصص على الصادرات والواردات، بل تحولت إلى استراتيجية شاملة تهدف إلى توظيف "القوة الهيكلية" وتحويل أدوات الاستقرار المالي العالمي إلى وسائل للإكراه الجيواقتصادي. وفي قلب هذا التحول الهيكلي، تبدو العلاقات عبر الأطلسي بين واشنطن وبروكسل أمام اختبار غير مسبوق، بعد أن انتقلت أدوات الضغط الأمريكية من التهديد بالرسوم الجمركية على السلع الصناعية إلى استغلال مكامن التبعية الهيكلية لحلفائها التقليديين في مجالات المالية، والدين العام، والتكنولوجيا الرقمية.
تسليح الدين العام والابتزاز المالي:
تُظهر تحولات السياسة الاقتصادية الأمريكية لعام 2026 وما بعدها سعياً صريحاً لإعادة هيكلة العجز التجاري والمالي الأمريكي عبر أساليب غير تقليدية تُخل بالقواعد الاستقرارية للنظام المالي متعدد الأطراف. وتجلى أبرز صور هذا الإكراه في محاولات إجبار حاملي سندات الخزانة الأمريكية من الأجانب—وفي مقدمتهم التكتل الأوروبي الذي يحتفظ بنحو تريليوني دولار من هذه السندات—على قبول صفقة مجحفة ترتكز على بيع جزء من ممتلكاتهم لتخفيض قيمة الدولار وتعزيز تنافسية الصادرات الأمريكية.
إن استخدام الإعفاءات الجمركية كمساومة مقابل بيع السندات يضع الحلفاء أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما مواجهة رسوم جمركية عقابية تعطل صناعاتهم، أو قبول بيع السندات مما يؤدي إلى ارتفاع قيمة اليورو وتآكل القدرة التنافسية لقطاعاتها التصديرية. ولم يتوقف الابتزاز المالي عند هذا الحد، بل امتد للتلويح بتفعيل أطر قانونية طارئة كقانون (IEEPA) لتعليق مدفوعات الفوائد أو تحويل الأسهم الأجنبية إلى "سندات صفرية الفائدة"، ما يعد اقتطاعاً قسرياً للسيادة المالية الدولية وتحويلاً لعبء تمويل العجز الفيدرالي إلى الشركاء الدوليين.
هيمنة العملات المستقرة وتجاوز النظام المالي المفتوح
وفي سياق متصل، تسعى الاستراتيجية الحمائية الجديدة إلى مضاعفة هيمنة الدولار من خلال أصول الاقتصاد الرقمي. فمن خلال إلزام الشركاء التجاريين بتسوية المعاملات عبر الحدود باستخدام "العملات المستقرة" (Stablecoins) المرتبطة بالدولار بدلاً من القنوات التقليدية كنظام (SWIFT)، تُخلق حالة من الطلب القسري الجديد على سندات الخزانة قصيرة الأجل الداعمة لهذه العملات المشفرة. تضمن هذه الآلية للإدارة الأمريكية قنوات تمويل مستمرة لعجزها المالي السنوي دون الحاجة إلى الاعتماد على المشتريات التقليدية من البنوك المركزية الأجنبية، لكنها في الوقت نفسه تُجرد النظراء من استقلالية سياستهم النقدية وتزيد من انكشافهم أمام تقلبات الأصول الرقمية الأمريكية.
نحو الردع الهيكلي: درس "التدفقات لا المخزون"
أمام هذا "الإكراه المالي الهيكلي"، أثبتت آليات الدفاع التقليدية استنفاد أغراضها. ويكمن الدرس الاستراتيجي الجوهري للتعامل مع هذا النمط من الضغوط في الاعتماد على مبدأ "الاستجابة للتدفقات لا المخزون" (Act on flows, not stocks).
فبدلاً من التخلص السريع والمفاجئ من مخزون سندات الخزانة الأمريكية—والذي قد يعود بالضرر على حامليه ويحدث أزمة مالية عالمية—يرتكز الردع الفعال على تنظيم ومراقبة التدفقات الجديدة؛ وذلك بالامتناع عن توقيع عقود التزام مالية جديدة، وإلزام المؤسسات الوطنية بحفظ أصول العملات الرقمية داخل الأراضي الوطنية، واستغلال مؤشرات الأسواق المالية ومخاوف وول ستريت لنقل التكلفة الحقيقية للتصعيد إلى صانع القرار في واشنطن.
إن النتيجة الحتمية لاستخدام الاستقرار المالي والدولار كأدوات للإكراه لن تكون إخضاع الشركاء على المدى الطويل، بل ستعجل بتفكيك الاعتماد المتبادل الشامل، ودفع الاقتصاد العالمي نحو التجزئة الهيكلية والهروب المحتوم نحو التكتلات البديلة والأطر السيادية المستقلة.