المهندس أيمن علي، إعلامي وباحث في القضايا الثقافية والاجتماعية
مقدمة: حين يتكلم القلب
كان أخي يغني… لا لأن الحياة سهلة، بل لأنه ذاق مرارتها فرفض أن تسكنه. كان يبتسم، وكان صوته يشبه ضوءاً صغيراً في زاوية مظلمة. لم يكن يخطب، ولم يكن يعلم أنه يترك فينا درساً خالداً حين قال:
> «هيدي هي الحياة فيها ولادة وفيها ممات.. ما أشقى اللي فيها اهتم بقيضيها حزن وهم.. لا من الدني قدر يلم ولا الجنة هواها شم.. هيدي الدنية حلوة كتير وما بدها طولة تفكير.. هي الرزقة بالتقدير من الرب العالي القدير..»
في هذه الكلمات البسيطة… فلسفة كاملة.
الحياة… صفحة نكتبها بأيدينا
الحياة ليست سوى ولادة وممات؛ نأتي بصرخة، ونغادر بصمت. وبين الصرخة والصمت… مسافة قصيرة اسمها العمر، فيها نزرع، نحصد، نحب، نخسر، نضحك، ونتعلم، لكننا كثيراً ما ننسى أن نعيش.
قال سبينوزا كلمة تختصر كل شيء: «الإنسان الحرّ يفكّر في الموت أقلّ ما يمكن، وحكمته تأمل في الحياة لا في الموت.» هذا هو الفرق بين من يعيش… ومن ينتظر.
«ما أشقى اللي فيها اهتم»
هنا "اهتم" ليست رحمة، بل ثقل من حمل همّ ما لا يحمله، فعاش حزناً وغمّاً. الدنيا لا تُجمع في كفّ، ولا الجنة تُنال بالأماني. وهناك فرق بين السعي والرضا، وبين التخطيط والوسواس؛ فالأول يحرّك الحياة، والثاني يقتل صاحبه قبل أن يأتيه ما يخاف.
قال ماركوس أوريليوس، إمبراطور روما، في مذكراته الخاصة: «لا أخاف الموت بقدر ما أخاف أن أضيّع وقتي، وأن أفشل في أن أكون إنساناً صالحاً.» هكذا يفكر الحكماء؛ لا يخافون النهاية، بل يخافون أن يعيشوا بلا معنى.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [سورة الطلاق: 3].
الحياة جميلة… لكننا نغطي أعيننا بالقلق
يرفع أخي صوته مجدداً ويقول: «الحياة جميلة ويجب ألا يطول فيها التفكير». وهذه ليست دعوة إلى العبث، بل إلى أن نعيش بقلب حاضر؛ فالتفكير نعمة إذا قاد إلى العمل، ونقمة إذا قاد إلى الشلل. الحياة جميلة حين نراها كما هي، لا كما يريدها خوفنا. لحظة فرح واحدة لا تحتاج إلى ألف حساب، وابتسامة صادقة لا تحتاج إلى إذن من القلق.
قال سينيكا، المعلم الرواقي: «السعادة الحقيقية هي أن تستمتع بالحاضر دون اعتماد قلق على المستقبل، وألا تسلّي نفسك بالآمال أو المخاوف، بل أن ترضى بما لديك، وهو كافٍ تماماً.»
من عاش في الغد… ضاع عليه اليوم، ومن انتظر أن تنتهي المشاكل ليبدأ الفرح… لم يبدأ أبداً، فالمشاكل لا تنتهي، لكن الفرح يمكن أن يبدأ الآن إذا قررنا أن نعيش.
قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [سورة الشرح: 5-6].
الرزق… ليس سباقاً مع أحد
يختم أخي بكلمات مطمئنة: «الرزق ليس سباقاً مع أحد، بل قسمة مكتوبة؛ اسعَ، وافتح أبوابك، وأحسن، ثم اترك النتيجة لمن بيده ملكوت كل شيء».
قال الإمام الغزالي: «إن لم يشتد حرصه، فشدة الحرص ليست هي السبب لوصول الأرزاق، بل ينبغي أن يكون واثقاً بوعد الله.» وقال بعض الحكماء: «وجدت أطول الناس غمّاً الحسود، وأهنأهم عيشاً القنوع.»
وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [سورة هود: 6]. فمن أيقن أن ما قسمه الله له لن يأخذه غيره… عاش قرير العين، ونام مطمئن القلب.
والموت… ليس نهاية مروعة
هنا يتوقف أخي عن الغناء… لكن اللحن يبقى.
قال إبيكوروس، الفيلسوف اليوناني: «الموت ليس شيئاً بالنسبة لنا؛ لأن ما تحلّل، لا إحساس له، وما لا إحساس له، ليس شيئاً بالنسبة لنا.» هذا ليس تشاؤماً، بل تحريراً؛ فمن فهم أن الحياة قصيرة عاشها بجدية، ومن فهم أن الموت ليس نهاية مروعة بل تغيّر في الحال، لم يعد خائفاً.
قال ابن سينا: «الموت ليس شيئاً إلا مفارقة الروح لعلاقاتها المادية؛ كأدوات الحديد عند الحداد، حين يتركها.» وقال جبران خليل جبران: «الحياة والموت متلازمان تماماً كتلازم النهر والمحيط… إذا كان الموت والحياة شيئاً واحداً تماماً كما الألم والفرح.»
نحن نعيش بين نهر ومحيط، والفاصل بينهما لحظة… فلا تضيّعوها في حزن مقدّم ولا في تفكير طويل.
قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة آل عمران: 185].
خاتمة: عيشوا بسلام
الحياة جميلة… حقاً. ليست لأنها خالية من الألم، بل لأنها تستحق أن تُعاش رغم الألم؛ فيها ولادة وفيها رحيل، فيها فرح وفيها دمع، ولكن بين كل ذلك… هناك لحظات لا تتكرر.
فلا تدعها تمر دون أن تبتسم؛ عش خفيفاً، أحبب بصدق، اعمل بجد، واترك الباقي لمن يدبر الأمر.
اسعَ ولكن لا تقلق، اطلب ولكن لا تتشبث، اعمل ولكن لا تحمل الكون على كتفيك.
قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: 216].
عيشوا، أحبوا، اسعوا، واطمئنوا؛ فالحياة أقصر من أن نغرقها في التفكير، وأجمل من أن نمرّ عليها دون أن نبتسم.
الدنيا حلوة كتير… حقاً، ولا تحتاج إلى طول تفكير.