من إرث الحرب إلى دبلوماسية المصالح

بقلم: د. عبد الباسط أبو نبوت- باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية

يصادف اليوم، 30 أيلول/سبتمبر، الذكرى الحادية عشرة لبدء التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية عام 2015، وهو التدخل الذي شكّل أحد أكثر التحولات تأثيراً في مسار الحرب السورية، وأعاد رسم موازين القوى العسكرية والسياسية على الأرض، قبل أن تنتهي المرحلة التي ارتبطت بنظام بشار الأسد بسقوطه في كانون الأول/ديسمبر 2024.

وفي هذه الذكرى، تعود إلى الواجهة ملفات الحرب والانتهاكات والضحايا، بالتزامن مع مرحلة سورية جديدة تحاول فيها دمشق إعادة بناء علاقاتها الدولية على أساس مختلف عن المرحلة السابقة؛ أساس يقوم على السيادة الوطنية، وتعدد الشراكات، وعدم الارتهان لمحور واحد، والاستفادة من علاقات الدولة مع مختلف القوى الكبرى وفق المصالح السورية.

وفي هذا السياق، نشرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقريراً حول مسؤولية روسيا عن الانتهاكات المنسوبة إلى قواتها خلال فترة تدخلها العسكري، وقد وثقت، وفق أرقامها، مقتل 6993 مدنياً، بينهم 2061 طفلاً و984 سيدة، إضافة إلى 363 مجزرة و1262 حادثة اعتداء على مراكز حيوية مدنية، بينها مدارس ومنشآت طبية وأسواق. كما دعت إلى جبر الضرر، والاعتراف بالمسؤولية، وحفظ الأدلة، وضمان ألا تنتقص أي تسوية سورية–روسية مستقبلية من حقوق الضحايا.

وهنا تبرز معادلة شديدة الحساسية أمام الدولة السورية الجديدة: كيف يمكن لسورية أن تحفظ حق الضحايا وذاكرتها الوطنية، وفي الوقت نفسه تبني علاقة سياسية ودبلوماسية جديدة مع روسيا؟

السؤال لا يتعلق بالماضي وحده، بل بمستقبل سورية وموقعها في النظام الدولي.

من ذاكرة الحرب إلى منطق الدولة

لا يمكن بناء دولة جديدة على إنكار ذاكرة مجتمعها. فالضحايا الذين سقطوا خلال سنوات الحرب، أياً كانت الجهة المسؤولة عن الانتهاكات، يمثلون جزءاً من الذاكرة الوطنية السورية، ولا يمكن أن تكون إعادة ترتيب العلاقات الدولية سبباً لإغلاق ملفاتهم أو تجاهل حقوقهم.

وفي الوقت نفسه، فإن السياسة الخارجية للدول لا تُبنى على ذاكرة وحدها، ولا على مشاعر وحدها، وإنما على مزيج من المصالح والسيادة والأمن والاقتصاد والقانون وتوازنات القوة.

ومن هنا، فإن التعامل مع روسيا يحتاج إلى الفصل بين مستويين: الأول هو المسؤولية عن الأفعال والانتهاكات التي وقعت خلال الحرب، وهو ملف ينبغي أن يبقى حاضراً في مسار العدالة الانتقالية والقانون الدولي وحفظ الأدلة وحقوق الضحايا.

أما الثاني فهو العلاقة بين الدولة السورية وروسيا في المرحلة الجديدة، وهي علاقة لا ينبغي أن تكون أسيرة للعلاقة التي كانت قائمة بين موسكو ونظام الأسد.

فروسيا دولة كبرى وعضو دائم في مجلس الأمن، ولها حضور سياسي واقتصادي وعسكري تاريخي في المنطقة، ولذلك فإن قطع العلاقة معها بصورة شاملة لن يؤدي بالضرورة إلى معالجة إرث الحرب، كما أن إعادة إنتاج العلاقة القديمة لن تتناسب مع مفهوم الدولة السورية الجديدة وسيادتها.

المعادلة الأكثر واقعية هي: لا نسيان للضحايا، ولا قطيعة دائمة مع روسيا؛ لا إفلات من المسؤولية، ولا عودة إلى التبعية.

روسيا التي تعاملت معها دمشق الجديدة ليست روسيا التي تعاملت معها النظام السابق

من أبرز التحولات التي ينبغي قراءتها أن طبيعة العلاقة نفسها تغيرت. ففي عام 2015، دخلت روسيا الحرب السسكرياً إلى جانب نظام الأسد، وأصبح مطار حميميم مركزاً أساسياً للعمليات الجوية الروسية، فيما شكّل ميناء طرطوس قاعدة استراتيجية للوجود الروسي في المتوسط.

أما اليوم، وبعد سقوط النظام السابق، فإن دمشق وموسكو تفاوضتا على مستقبل هذا الوجود ضمن شروط جديدة.

وفي 9 آب/أغسطس 2026، أعلنت دمشق وموسكو التوصل إلى مذكرة تفاهم، بعد نحو 18 شهراً من المفاوضات، لإعادة تنظيم الوجود الروسي على الساحل السوري. وبموجب الترتيبات المعلنة، تنتقل المنشآت ذات الاستخدام المدني إلى إدارة الدولة السورية، فيما يُعاد تنظيم المنشآت العسكرية الروسية وتحويلها إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة.

وهذا التطور لا يعني نهاية العلاقة الروسية–السورية، بل يشير إلى إعادة تعريفها. فالوجود الروسي لم يختفِ بصورة كاملة، وإنما تقلص وأعيد تنظيمه ضمن ترتيبات جديدة. كما أظهرت التطورات اللاحقة استمرار التواصل العسكري واللوجستي الروسي مع المنشآت الساحلية.

ومن هنا يمكن قراءة الاتفاق باعتباره انتقالاً من نموذج:"وجود عسكري مرتبط بحماية حليف سياسي" إلى نموذج أكثر تعقيداً:"وجود محدود ومنظم ضمن علاقة تفاوضية مع الدولة السورية".

وهذا التحول بحد ذاته يفتح أمام دمشق مساحة أوسع لإعادة بناء العلاقة وفق مصالحها.

لا ينبغي أن تتحول روسيا إلى "عدو دائم"

من الطبيعي أن يحمل جزء من المجتمع السوري مشاعر سلبية تجاه روسيا نتيجة دورها العسكري خلال الحرب، وهو أمر لا يمكن تجاهله أو التعامل معه باستخفاف. لكن تحويل هذه المشاعر إلى سياسة دولة دائمة قد يضع سورية أمام مشكلة أخرى.

فالدولة لا تستطيع أن تدير سياستها الخارجية بمنطق الثأر التاريخي، كما أنها لا تستطيع أن تطلب من مواطنيها نسيان آلامهم.

الحل يكمن في بناء مسافة واضحة بين المجتمع وذاكرته من جهة، والدولة ومصالحها الاستراتيجية من جهة أخرى.

فالسوري الذي فقد أحد أفراد أسرته في الحرب له الحق في العدالة ومعرفة الحقيقة وجبر الضرر. وفي الوقت نفسه، فإن الدولة السورية لها الحق في بناء علاقة دبلوماسية مع روسيا إذا كانت هذه العلاقة تخدم مصالحها الوطنية.

ولا يوجد تناقض بالضرورة بين الأمرين. بل إن قوة الدولة تكمن في قدرتها على تحويل الملفات الصعبة من ساحات للمواجهة المفتوحة إلى ملفات سياسية وقانونية قابلة للإدارة والتفاوض.

العدالة الانتقالية ليست نقيضاً للدبلوماسية

من أهم الاختبارات أمام سورية الجديدة كيفية إدارة ملف الانتهاكات المنسوبة إلى القوى الأجنبية التي شاركت في الحرب.

فالعدالة الانتقالية لا ينبغي أن تتحول إلى أداة انتقائية تستهدف طرفاً وتتجاهل أطرافاً أخرى، بل إلى إطار وطني يجمع الأدلة، ويوثق الانتهاكات، ويحفظ حقوق الضحايا، ويحدد المسؤوليات وفق معايير قانونية.

وهذا يمكن أن يتيح لدمشق التعامل مع الملف الروسي من خلال المؤسسات، لا من خلال الحملات السياسية.بمعنى آخر: بدلاً من أن تكون العلاقة مع روسيا رهينة لملف الماضي، يمكن أن يصبح ملف الماضي جزءاً منظماً من العلاقة الجديدة.

وهنا يمكن طرح قضايا مثل الاعتراف بالمسؤولية، وحفظ الأدلة، والتعويضات، وجبر الضرر، والتعاون القانوني، ضمن مسارات تفاوضية ومؤسسية، دون تحويلها إلى شرط يمنع أي اتصال سياسي أو اقتصادي بين البلدين.

وهذه الصيغة أكثر قدرة على حماية حقوق الضحايا من تحويل الملف إلى شعار سياسي غير قابل للتنفيذ.

ماذا يمكن لسورية أن تستفيد من روسيا؟

السؤال الأهم في المرحلة المقبلة ليس: هل نتعامل مع روسيا أم لا؟ بل: كيف نتعامل معها؟

فروسيا تمتلك خبرات في مجالات عسكرية وتقنية وطاقة وبنية تحتية، كما أن موقعها الدولي يمنحها أدوات سياسية ودبلوماسية مهمة.

ويمكن لسورية، وفق اتفاقات واضحة وشفافة، الاستفادة من الخبرات الروسية في التدريب والتأهيل العسكري والفني، وفي بعض مشاريع الطاقة والبنية التحتية وإعادة الإعمار، وفي مجالات النقل والموانئ والصناعات الثقيلة، إضافة إلى قنوات التعاون السياسي والدبلوماسي.

لكن الفارق الجوهري يجب أن يكون بين: الاستفادة من روسيا، والاعتماد على روسيا. الأولى يمكن أن تكون جزءاً من سياسة تنويع الشراكات. أما الثانية فتتناقض مع مفهوم الاستقلال الاستراتيجي الذي تحتاجه سورية في المرحلة الجديدة.

ولهذا فإن أي تعاون اقتصادي أو استثماري مع موسكو ينبغي أن يكون قائماً على العقود والقوانين والمنافسة والشفافية والمصلحة المتبادلة، لا على الامتيازات السياسية غير المحدودة.

الساحل السوري نموذج للعلاقة الجديدة

يمثل الساحل السوري إحدى أكثر ساحات اختبار العلاقة الجديدة أهمية. فالمنشآت الروسية في حميميم وطرطوس لم تكن مجرد مواقع عسكرية، بل ارتبطت بصورة أوسع بموقع سورية الجيوسياسي على البحر المتوسط.

وبموجب الترتيبات التي أعلنت في آب/أغسطس، استعادت الدولة السورية إدارة المنشآت المدنية، بينما أعيد تعريف طبيعة المنشآت العسكرية.

وهنا يمكن أن تتطور العلاقة من مفهوم "القاعدة العسكرية" إلى مفهوم أوسع هو الشراكة اللوجستية والاقتصادية والتدريبية.

وهذا النموذج يمكن أن يسمح لروسيا بالحفاظ على بعض مصالحها، وفي الوقت نفسه يسمح لسورية باستعادة الإدارة السيادية لأصولها ومرافقها.

وبذلك يتحول التفاوض من سؤال: من يسيطر؟ إلى سؤال: كيف نتشارك دون أن يفقد أي طرف مصالحه أو سيادته؟

روسيا داخل شبكة العلاقات السورية لا فوقها

السياسة سورية الجديدة تحتاج إلى قاعدة أخرى مهمة: عدم وضع أي دولة فوق الدولة السورية.

فالعلاقة مع روسيا يجب أن تكون جزءاً من شبكة أوسع تضم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا والدول العربية والصين وغيرها من القوى الدولية.

وقد عبّرت دمشق رسمياً عن توجه يقوم على السيادة وتوازن المصالح وتنويع الشراكات، واعتبرت إعادة تنظيم العلاقة مع روسيا مثالاً على هذا النهج.

وهذا يعني أن دمشق تستطيع أن تتعاون مع موسكو في ملف، وتختلف معها في ملف آخر، وتتعاون مع واشنطن في ملف ثالث، وتبني شراكات اقتصادية مع أوروبا والصين والدول العربية وتركيا.

هذه ليست سياسة تناقض. بل هي جوهر الدبلوماسية المتوازنة. فالدولة التي تمتلك خيارات متعددة تكون قدرتها على التفاوض أكبر من الدولة التي تربط أمنها واقتصادها وسياساتها الخارجية بقوة واحدة.

العلاقة مع روسيا يمكن أن تصبح ورقة قوة سورية

المفارقة أن روسيا، التي كانت في مرحلة سابقة أحد مصادر القوة العسكرية للنظام السابق، يمكن أن تصبح في مرحلة جديدة جزءاً من شبكة العلاقات التي تستخدمها الدولة السورية لتعزيز استقلال قرارها.

لكن ذلك يتطلب تغييراً جوهرياً في طريقة إدارة العلاقة. فدمشق لا تحتاج إلى أن تقول لموسكو: "نحن معكم". كما لا تحتاج إلى أن تقول: "نحن ضدكم".بل تستطيع أن تقول: لدينا مصالح مشتركة، ولدينا ملفات خلاف، ولدينا حقوق وملفات عدالة، وكل ذلك يمكن أن يُدار من خلال دولة ذات سيادة ومؤسسات واضحة.

وهذا هو جوهر العلاقة الطبيعية بين الدول.

منطق التفاوض الجديد

يمكن لسورية أن تدخل أي مفاوضات مستقبلية مع روسيا من أربعة منطلقات واضحة:

أولاً: السيادة. أي اتفاق يجب أن يحفظ القرار السوري وإدارة الدولة لأراضيها ومرافقها الاستراتيجية.

ثانياً: المصالح المتبادلة. لا اتفاقات تقوم على طرف رابح وطرف خاسر، وإنما شراكات تحقق مصالح قابلة للاستمرار.

ثالثاً: العدالة. حقوق الضحايا والملفات القانونية لا ينبغي أن تختفي نتيجة التحول السياسي.

رابعاً: تنويع الشراكات. لا تكون العلاقة مع روسيا بديلاً عن العلاقات السورية مع بقية القوى الدولية.

هذه المبادئ يمكن أن تحول العلاقة من علاقة تاريخية مثقلة بالحرب إلى علاقة حديثة قابلة لإعادة البناء.

سورية وموقعها بين القوى الكبرى

المرحلة الجديدة تفرض على دمشق أن تعيد تعريف موقعها الدولي. فسورية ليست دولة هامشية من الناحية الجيوسياسية. موقعها بين المتوسط وتركيا والعراق والأردن ولبنان، وقربها من الخليج، يجعلها جزءاً من توازنات إقليمية ودولية متشابكة.

ولهذا فإن الحفاظ على قنوات مفتوحة مع روسيا لا يعني العودة إلى التحالف القديم، كما أن الانفتاح على الغرب لا يعني الدخول في مواجهة مع موسكو.

الأفضل أن تتحول سورية إلى دولة تمتلك تعدد الخيارات. وكلما زادت خيارات دمشق الاقتصادية والسياسية والأمنية، زادت قدرتها على التفاوض.

ومن هنا يمكن أن يكون التعامل مع روسيا جزءاً من استراتيجية أوسع عنوانها:"تنويع الشراكات من أجل حماية القرار الوطني".

الخلاصة: لا نسيان ولا ارتهان

بعد أحد عشر عاماً على التدخل العسكري الروسي، تقف سورية أمام مرحلة مختلفة تماماً. روسيا لم تعد تتعامل مع نظام الأسد الذي كانت تدعمه، وسورية لم تعد الدولة نفسها التي كانت عام 2015.

لقد تغيرت السلطة، وتغيرت البيئة الإقليمية، وتغيرت موازين القوى، وأعيد فتح ملفات العلاقات الدولية على أسس جديدة.

لكن الذاكرة السورية لم تتغير. ولهذا فإن الطريق الأكثر توازناً ليس في مطالبة السوريين بنسيان ما حدث، وليس في تحويل روسيا إلى "عدو دائم"، وإنما في بناء سياسة تستطيع أن تفعل الأمرين معاً: حفظ حقوق الضحايا، وإدارة مصالح الدولة.

فالعدالة لا تعني القطيعة، والتعاون لا يعني التنازل، والانفتاح لا يعني التبعية.

إن العلاقة السورية–الروسية المقبلة يمكن أن تُبنى على قاعدة مختلفة تماماً عن الماضي:

  • من علاقة قائمة على حماية نظام إلى علاقة قائمة على مصالح الدول؛
  • من الوجود العسكري غير المتوازن إلى ترتيبات تفاوضية؛
  • من التحالفات المغلقة إلى الشراكات المتعددة؛
  • ومن منطق المحاور إلى منطق السيادة.

وهنا تكمن إحدى أهم فرص الدبلوماسية السورية الجديدة: أن تتعامل مع روسيا لا باعتبارها خصماً يجب الانتقام منه، ولا حليفاً يجب الارتهان له، وإنما باعتبارها قوة دولية لها مصالح في سورية، ولسورية كذلك مصالح وحقوق ومطالب في علاقتها معها.

وبهذا المعنى، فإن السياسة الخارجية السورية الأكثر نضجاً ليست تلك التي تختار بين روسيا أو الغرب، وإنما تلك التي تستطيع أن تتحدث مع الجميع، وتختلف مع الجميع عند الضرورة، وتتعاون مع الجميع عندما تتقاطع المصالح، بينما يبقى القرار النهائي في دمشق.

فالدولة التي تريد أن تستعيد موقعها بين الدول الكبرى لا تستطيع أن تبني مستقبلها بالكراهية، كما لا تستطيع أن تبنيه بالتبعية؛ وإنما تبنيه بالسيادة، والواقعية، وتعدد الخيارات، والقدرة على تحويل إرث الماضي من عبء دائم إلى ملف قابل للمعالجة، وعلاقة قابلة لإعادة التعريف.

تم عمل هذا الموقع بواسطة