بقلم: د. عبد الباسط أبو نبوت – باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
لم تعد مشاركات وزارة الداخلية السورية في المؤتمرات واللقاءات والبرامج التدريبية الإقليمية والدولية مجرد نشاط بروتوكولي أو حضور عابر في محافل أمنية، بل بدأت تكشف عن مسار أوسع يتعلق بإعادة بناء المؤسسة الأمنية السورية، ورفع كفاءتها، وإعادة وصلها بشبكات التعاون العربية والدولية، وتحديد موقع سوريا الجديدة داخل منظومة الأمن الإقليمي والدولي.
خلال الفترة الأخيرة، ظهرت وزارة الداخلية السورية في أكثر من مساحة متخصصة: من مؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية في أبوظبي، إلى المؤتمر العالمي للأمن الكيميائي والتهديدات الناشئة في بنما المرتبط بشبكة الإنتربول، إلى مسارات التعاون والتدريب وتبادل الخبرات في مجالات الجريمة المنظمة، والجرائم المستحدثة، والأدلة الرقمية، والتحقيقات الجنائية والمالية، والأمن السيبراني.
وهذه الصورة المتراكمة تحمل دلالة مهمة: سوريا الجديدة تريد أن تدخل إلى العالم أيضاً من بوابة الأمن، ولكن من بوابة أمن مختلف؛ أمن يقوم على المؤسسات، والتعاون، وتبادل الخبرات، ومواجهة الجريمة العابرة للحدود.
أبوظبي.. الأمن السوري في النقاش الدولي
مشاركة وزير الداخلية أنس خطاب على رأس وفد رسمي، يضم النائب العام للجمهورية، في مؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية في أبوظبي، تأتي في سياق دولي يركز على طبيعة الجريمة الجديدة وقدرتها المتزايدة على تجاوز الحدود والاستفادة من التكنولوجيا.
وقد أكدت التحضيرات الإماراتية للمؤتمر أنه منصة دولية لتبادل الخبرات وتعزيز التعاون في منع الجريمة والعدالة الجنائية وترسيخ سيادة القانون، مع مشاركة دولية واسعة.
أما الرسالة السورية التي حملها وزير الداخلية، فتتجاوز توصيف المشكلة إلى الحديث عن تطوير القدرات الوطنية في الأدلة الرقمية والتحقيقات المالية والجنائية ومكافحة الجرائم السيبرانية. كما طُرحت في المشاركة السورية فكرة تعزيز التعاون مع الإنتربول ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، والعمل على استراتيجية وطنية لمنع الجريمة والعدالة الجنائية للفترة 2026–2031.
وهنا تبرز أهمية المشاركة.
فسوريا لا تظهر فقط باعتبارها دولة تواجه تحديات أمنية، بل باعتبارها دولة تريد تطوير مؤسساتها وأدواتها وقدراتها للمشاركة في مواجهة التحديات الأمنية المشتركة.
من العزلة الأمنية إلى شبكات التعاون
الجريمة المنظمة لم تعد ظاهرة محلية.
شبكات المخدرات والاتجار بالبشر وغسل الأموال والجرائم الإلكترونية والتهريب والجريمة العابرة للحدود تعمل عبر دول متعددة، وتستخدم التكنولوجيا الحديثة، وتستفيد من سرعة حركة الأموال والمعلومات والأشخاص.
ولهذا فإن الدولة التي تريد حماية أمنها الداخلي تحتاج إلى شبكة علاقات أمنية تتجاوز حدودها.
وهنا تأتي أهمية الانفتاح السوري على المؤسسات الدولية والإقليمية، وعلى أجهزة إنفاذ القانون العربية والدولية.
فالتعاون الأمني لا يعني فقط تبادل المعلومات عند وقوع الجريمة، بل يشمل التدريب، وبناء قواعد البيانات، وتطوير تقنيات التحقيق، وتبادل الخبرات، وتوحيد بعض الإجراءات، وتعزيز القدرة على التعامل مع الجرائم التي لا تعترف بالحدود.
وهذا ما يجعل إعادة بناء وزارة الداخلية جزءاً من إعادة بناء علاقات سوريا مع محيطها والعالم.
بنما.. الأمن الكيميائي والتهديدات الناشئة
المشاركة السورية في المؤتمر العالمي المتعلق بالأمن الكيميائي والتهديدات الكيميائية الناشئة في بنما تفتح باباً آخر بالغ الحساسية والأهمية.
المؤتمر العالمي الذي تنظمه شبكة مرتبطة بجهود الإنتربول يركز على تعزيز التعاون الدولي وتبادل المعلومات والخبرات لمواجهة مخاطر الإرهاب الكيميائي والمتفجرات، وتطوير قدرات أجهزة إنفاذ القانون. وتضم الشبكة أكثر من ألفي خبير ومختص من قطاعات متعددة.
كما يوضح الإنتربول أن برنامجه في هذا المجال يقوم على الوقاية والاستعداد والاستجابة، مع التركيز على إدارة وتحليل البيانات، والخبرات المتخصصة، وبناء شبكة عالمية للتعاون.
وبالنسبة إلى سوريا، فإن الانخراط في هذه المسارات يحمل أهمية خاصة، خصوصاً في ظل الملف المعقد المتعلق بإرث الأسلحة الكيميائية.
فمنذ عام 2025، بدأت السلطات السورية الجديدة تعاوناً مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وشهد عام 2026 عمليات تفتيش واكتشاف مواد وأسلحة كيميائية غير معلنة سابقاً، ثم بدأت سوريا في سبتمبر عمليات تدمير موثقة لبقايا من البرنامج الكيميائي السابق.
وبالتالي فإن المشاركة في المحافل المتخصصة بالأمن الكيميائي يمكن قراءتها ضمن مسار أوسع من التعاون الدولي لمعالجة إرث المرحلة السابقة وبناء قدرة مؤسسية سورية جديدة على التعامل مع المخاطر الناشئة.
الأمن بوصفه بوابة للعودة إلى الإقليم
ثمة تحول مهم في طريقة حضور سوريا.
ففي السنوات الماضية، ارتبط اسم سوريا في كثير من المحافل الدولية بملفات الحرب والأزمة واللجوء والعقوبات.
أما اليوم، فتظهر الدولة السورية تدريجياً في مساحات أخرى: مكافحة الجريمة، الأمن الإقليمي، مكافحة المخدرات، الأمن السيبراني، العدالة الجنائية، الأمن الكيميائي، التدريب وتبادل الخبرات.
وهذا لا يعني أن الملفات السابقة اختفت، وإنما يعني أن صورة سوريا في العلاقات الدولية أصبحت تتسع لتشمل وظيفتها كشريك محتمل في مواجهة التحديات المشتركة.
وهنا يمكن أن تصبح وزارة الداخلية إحدى أدوات الدبلوماسية السورية الجديدة.
فكما أن وزارة الخارجية تبني العلاقات السياسية، ووزارة الاقتصاد تبني العلاقات التجارية، يمكن لوزارة الداخلية أن تبني شبكات تعاون أمني ومؤسسي مع الدول العربية والإقليمية والدولية.
العالم العربي.. الشريك الأقرب
لا يمكن فصل هذا المسار عن البيئة العربية.
فسوريا جزء من منظومة أمنية إقليمية مترابطة، وما يحدث في دولة عربية ينعكس بدرجات مختلفة على جيرانها.
الجريمة المنظمة، المخدرات، تهريب البشر والأسلحة، الجرائم الإلكترونية، أمن الحدود، وحماية المنشآت الحيوية كلها ملفات تحتاج إلى تنسيق عربي مستمر.
ومن هنا فإن إعادة بناء العلاقات السورية مع الدول العربية لا ينبغي أن تكون سياسية واقتصادية فقط، بل يمكن أن تمتد إلى التعاون الشرطي والأمني والقضائي والتقني.
والاستفادة من التجارب العربية في بناء أجهزة أمنية حديثة يمكن أن تختصر على سوريا الكثير من الوقت والجهد، كما يمكن للخبرات السورية أن تكون جزءاً من منظومة تبادل الخبرات في المنطقة.
فالتعاون الحقيقي لا يقوم على طرف يعطي وطرف يأخذ، وإنما على شراكة تتبادل الخبرة والمعلومة والتجربة.
رفع الكفاءة.. جوهر المرحلة
إعادة بناء المؤسسة الأمنية لا تعني فقط إعادة تنظيم الهياكل أو زيادة أعداد العناصر.
المؤسسة الأمنية الحديثة تحتاج إلى رجل أمن مختلف.
تحتاج إلى معرفة بالقانون، وإلمام بالتكنولوجيا، وقدرة على التعامل مع الأدلة الرقمية، وفهم للجرائم المالية، وتدريب في التحقيق الجنائي، وقدرة على التواصل مع المؤسسات القضائية، وفهم للمعايير الدولية لحقوق الإنسان وسيادة القانون.
وهذا يضع التدريب والتأهيل في قلب عملية بناء وزارة الداخلية.
والمشاركة في المؤتمرات والبرامج الدولية تتيح للسوريين الاطلاع على تجارب متعددة، والتعرف إلى أحدث التقنيات، وبناء شبكات مهنية، ونقل الخبرة إلى الداخل.
وبذلك تصبح المشاركة الخارجية ذات قيمة عندما تتحول إلى معرفة تعود إلى المؤسسات السورية.
الأمن السيبراني.. التحدي الجديد
ربما يكون الأمن السيبراني أحد أكثر الملفات التي ستفرض نفسها على وزارة الداخلية في السنوات القادمة.
فالجريمة تتغير.
المجرم لم يعد يحتاج دائماً إلى عبور الحدود بجواز سفر أو سيارة؛ أحياناً يستطيع تنفيذ الجريمة من خلف شاشة، وتحريك أموال عبر أنظمة إلكترونية، واختراق بيانات، أو استغلال منصات رقمية.
ولهذا فإن تطوير قدرات الشرطة والأجهزة الأمنية في الأدلة الرقمية والتحقيقات الإلكترونية لم يعد خياراً ثانوياً.
وقد أشار وزير الداخلية في مشاركته بأبوظبي إلى أهمية تطوير القدرات الوطنية في الأدلة الرقمية والتحقيقات المالية والجنائية ومكافحة الجرائم السيبرانية، وهو ما يعكس اتجاهاً نحو توسيع مفهوم العمل الأمني ليشمل البيئة الرقمية.
من الخبرة الأمنية إلى بناء المؤسسات
تواجه سوريا الجديدة تحدياً مزدوجاً: التعامل مع واقع أمني معقد، وفي الوقت نفسه بناء مؤسسات أمنية وطنية قادرة على العمل وفق قواعد واضحة ومهنية.
وهنا تصبح الخبرات السورية ذات أهمية كبيرة.
هناك كوادر عملت لسنوات في مجالات الأمن والشرطة والقانون والتحقيق والإدارة والتكنولوجيا، وهناك أجيال جديدة تستطيع اكتساب الخبرات من التجارب الدولية.
المطلوب هو تحويل هذه الطاقات إلى مؤسسة حديثة، بحيث لا تكون الخبرة الأمنية مجرد خبرة فردية، وإنما معرفة مؤسسية قابلة للتدريب والتطوير والتراكم.
وهذا هو الفارق بين مؤسسة تعتمد على الأشخاص ومؤسسة تعتمد على النظام والمعايير والتخصص.
سوريا لا تريد أن تكون مستقبِلة للأمن فقط
الهدف الأبعد لا ينبغي أن يكون أن تحصل سوريا على التدريب والمساعدة فقط.
الأهم أن تتحول تدريجياً إلى طرف مساهم في منظومة الأمن الإقليمي.
فالموقع الجغرافي لسوريا، وحدودها المتعددة، وارتباطها بممرات إقليمية، وتجربتها الطويلة مع أشكال مختلفة من الجريمة والتنظيمات المسلحة والتهريب والهجرة غير النظامية، تجعل بناء مؤسسة أمنية سورية فعالة أمراً ذا أهمية تتجاوز الحدود السورية.
وإذا نجحت عملية بناء المؤسسات ورفع الكفاءة، يمكن لسوريا أن تنتقل من موقع المتلقي للخبرة إلى موقع المشارك في إنتاج الخبرة وتبادلها.
وهذا هو المعنى الحقيقي للاندماج الأمني.
صورة جديدة لسوريا
الصورة الجديدة التي يمكن أن تبنيها هذه المشاركات ليست صورة دولة مغلقة على نفسها، ولا دولة تطلب من الآخرين معالجة مشكلاتها.
بل صورة دولة تقول إنها مستعدة للتعاون، وتطوير مؤسساتها، والاستفادة من الخبرات الدولية، والمشاركة في مكافحة الجريمة العابرة للحدود، والمساهمة في حماية الأمن الإقليمي.
وهو مسار يحتاج إلى وقت طويل، ولا تختصره المؤتمرات وحدها.
لكن المؤتمرات تصبح مهمة عندما تتحول إلى اتفاقات، وبرامج تدريب، وتبادل معلومات، وشراكات مؤسسية، وتطوير حقيقي للقدرات.
من الأمن الداخلي إلى أمن الإقليم
في المحصلة، فإن الحضور المتزايد لوزارة الداخلية السورية في المؤتمرات الدولية والعربية والبرامج المتخصصة يمكن قراءته باعتباره جزءاً من عملية إعادة تموضع أوسع لسوريا.
سوريا التي تريد أن تعيد بناء علاقاتها مع العالم تحتاج أيضاً إلى إعادة بناء مؤسساتها التي تتعامل مع العالم.
ووزارة الداخلية واحدة من هذه المؤسسات.
من أبوظبي إلى بنما، ومن التعاون مع الأمم المتحدة إلى شبكات الإنتربول، ومن مكافحة الجريمة المنظمة إلى الأمن الكيميائي والجرائم السيبرانية، تتشكل تدريجياً شبكة جديدة من العلاقات والخبرات.
والرهان الحقيقي هنا ليس على عدد المؤتمرات التي تشارك فيها الوزارة، وإنما على ما الذي يعود من هذه المؤتمرات إلى دمشق: كم تدريباً تحول إلى قدرة؟ وكم شراكة تحولت إلى عمل؟ وكم تقنية أصبحت جزءاً من المؤسسة؟ وكم خبيراً نقل معرفته إلى جيل جديد؟
إذا نجحت هذه المعادلة، فإن الأمن السوري لن يكون مجرد شأن داخلي، بل يمكن أن يصبح أحد جسور سوريا الجديدة نحو محيطها العربي والإقليمي والدولي.
وعندها تكون وزارة الداخلية قد انتقلت من مفهوم حماية الداخل فقط إلى مفهوم أوسع: المساهمة في أمن الإقليم، والشراكة في مكافحة الجريمة، وبناء الاستقرار، وحماية المجتمع، وتعزيز سيادة القانون.
وهذه هي إحدى صور سوريا الجديدة: دولة تعيد بناء مؤسساتها من الداخل، وتعيد في الوقت نفسه بناء الثقة معها من الخارج، ليس بالكلمات وحدها، وإنما بالانخراط، والتدريب، والتعاون، وتبادل الخبرات، والمشاركة في صناعة منظومة أمن إقليمية أكثر قدرة على مواجهة التحديات التي لم تعد تعرف حدوداً.