رسائل الشرع من نيويورك وإعادة تعريف السياسة الخارجية السورية
بقلم: د. عبد الباسط أبو نبوت- باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
لم تكن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد محطة دبلوماسية جديدة في جدول السياسة الخارجية السورية، بل بدت أقرب إلى منصة متكاملة لإعادة تقديم سوريا إلى العالم، وإعادة تقديم الدولة الجديدة إلى السوريين أنفسهم.
فبينما وقف الشرع أمام الجمعية العامة متحدثاً باسم سوريا في المحفل الدولي الأوسع، التقى أبناء الجالية السورية في الولايات المتحدة وكندا، ثم ظهر في حوار مفتوح مع المجلس الأطلسي في واشنطن ونيويورك، متحدثاً بصورة أكثر تفصيلاً عن ملفات الدولة والجيش والاقتصاد والعلاقات الإقليمية والتفاوض مع إسرائيل ومستقبل المرحلة الانتقالية.
وهنا تكمن أهمية الزيارة: الرسائل لم تكن واحدة، لأن الجمهور لم يكن واحداً؛ لكن مضمونها العام كان مترابطاً.
إذا كان ظهور الشرع في الأمم المتحدة العام الماضي قد ارتبط بصورة سوريا الخارجة من مرحلة الحرب وسقوط النظام السابق ومحاولة فتح أبواب العالم أمامها، فإن ظهوره الثاني يأتي في سياق مختلف: سوريا التي تريد أن تقول إنها لم تعد فقط تبحث عن الاعتراف، وإنما بدأت تبحث عن موقع ودور وشراكات ومصالح.
وقد أشار الشرع أمام الأمم المتحدة إلى أن قنوات التواصل انفتحت مع نحو مئة دولة، وأن دمشق أصبحت مقراً لنحو ستين بعثة دبلوماسية، في صورة تعكس، وفق الرواية السورية الرسمية، اتساع مسار إعادة الاندماج الدولي.
من منبر الأمم المتحدة: سوريا من مرحلة الخروج إلى مرحلة النهوض
حمل خطاب الشرع أمام الجمعية العامة عنواناً سياسياً واضحاً: سوريا بدأت مرحلة التعافي وإعادة البناء واستعادة موقعها.
فقد ركز على توحيد البلاد، وحصر السلاح، وإعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية، وبدء مشاريع الإعمار والاستثمار، وهي ملفات تعكس محاولة نقل النقاش حول سوريا من سؤال "كيف خرجت من الحرب؟" إلى سؤال "كيف ستبني الدولة؟".
وهذا التحول مهم في قراءة السياسة الخارجية السورية؛ لأن الدولة التي تطلب من الخارج التعامل معها كشريك تحتاج أولاً إلى تقديم صورة عن قدرتها على بناء مؤسساتها في الداخل.
لذلك لم يكن الحديث عن الجيش وحصر السلاح مجرد ملف أمني داخلي، بل رسالة خارجية أيضاً: دمشق تريد أن تقول إن مركز القرار العسكري والأمني يعود تدريجياً إلى مؤسسات الدولة، وإن مرحلة تعدد القوى المسلحة يفترض أن تنتهي لصالح دولة واحدة وجيش واحد.
وهذه الرسالة ترتبط مباشرة بالتصور الذي عرضه الشرع لاحقاً في المجلس الأطلسي، عندما تحدث عن إعادة بناء الجيش والمؤسسات وصياغة دستور جديد، وعن أن أي وجود عسكري أجنبي مستقبلي يجب أن يكون ضمن إطار قانوني وبموافقة المؤسسات السورية المختصة.
الجولان وإسرائيل: التفاوض لا يعني التنازل
كان الملف الإسرائيلي الأكثر حضوراً في خطاب نيويورك، وهو أمر يمكن فهمه في ضوء موقع الجنوب السوري في السياسة الإقليمية خلال المرحلة الحالية.
أكد الشرع أمام الأمم المتحدة أن الجولان سيبقى أرضاً سورية، وأن إجراءات الضم الإسرائيلية باطلة وفق قرار مجلس الأمن 497، كما تحدث عن نحو 500 غارة وأكثر من 1200 توغل ونحو 300 حالة اعتقال واحتجاز، وفق الأرقام التي عرضها في خطابه. كما أكد التزام دمشق باتفاق فض الاشتباك لعام 1974 ودعا إلى الانسحاب الإسرائيلي إلى المواقع السابقة على 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.
لكن اللافت أن الرسالة السورية لم تكن رسالة مواجهة عسكرية، بل رسالة تفاوضية تقوم على تثبيت معادلة مختلفة:
الأمن يمكن التفاوض عليه، أما السيادة فلا تُطرح للتفاوض.
وهذا ظهر بصورة أوضح في جلسة المجلس الأطلسي، حيث كشف الشرع أن المفاوضات السورية الإسرائيلية المباشرة وصلت، بحسب روايته، إلى تفاهم يقارب 90% من القضايا قبل ظهور خلافات وشروط إضافية. وقال إن المرحلة الأولى تتركز على الترتيبات الأمنية والانسحاب إلى خطوط عام 1974، قبل الانتقال — في حال نجاح ذلك — إلى نقاش أوسع حول السلام والعلاقة المستقبلية.
بذلك تحاول دمشق الفصل بين مسارين: مسار أمني عاجل هدفه تثبيت الاستقرار، ومسار سياسي أطول يتعلق بالسلام والحقوق والسيادة والجولان.
والرسالة الأهم هنا أن الانفتاح على التفاوض لا يعني، وفق الموقف الذي عرضه الشرع، التخلي عن الثوابت السورية.
من الجولان إلى نيوجيرسي: دبلوماسية صلبة بوسائل غير تقليدية
ربما كانت عبارة الشرع عن نيوجيرسي أكثر اللحظات تداولاً إعلامياً خلال زيارته.
ففي حديثه مع المجلس الأطلسي، استعاد حواراً قال إنه دار مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الجولان، وقال إنه سأله على سبيل المزاح: لماذا لا تعطي إسرائيل نيوجيرسي بدلاً من الجولان، باعتبار أن الولايات المتحدة لا تملك الجولان حتى تمنحه لأحد. لكنه عاد ليؤكد أن جوهر موقفه جدي، وأن لا الرئيس السوري ولا الرئيس الأميركي يملكان حق التخلي عن الجولان.
أهمية هذه العبارة ليست في طابعها الطريف فقط، وإنما في الطريقة التي حاول بها الشرع الجمع بين المرونة الشخصية والصلابة السياسية.
فالرسالة كانت موجهة إلى الجمهور الأميركي تحديداً: يمكن لدمشق أن تتحاور مع واشنطن، وأن تفتح قنوات تفاهم، وأن تتعامل بلغة سياسية مرنة، لكنها في الوقت نفسه تحتفظ بخطوط حمراء مرتبطة بالسيادة.
وهذا النوع من الخطاب يختلف عن الدبلوماسية التقليدية الجامدة، لأنه يحاول الوصول إلى الجمهور السياسي والإعلامي والشعبي في آن واحد.
المجلس الأطلسي: من خطاب الدولة إلى شرح الدولة
إذا كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة هي منصة إعلان المواقف، فإن المجلس الأطلسي كان منصة شرحها.
هناك دخل الشرع في تفاصيل أكثر حول شكل الدولة التي تريد دمشق بناءها، والجيش، والوجود العسكري الروسي والتركي، والعلاقة مع إسرائيل، والاقتصاد، والنفط، والموانئ، والعلاقات مع دول الجوار.
وهذه النقطة مهمة للغاية؛ لأن استضافة الرئيس السوري في حوار للمجلس الأطلسي، ضمن فعاليات نيويورك المرتبطة بالجمعية العامة، تعني أن الرسالة لم تعد موجهة إلى الحكومات فقط، وإنما إلى دوائر السياسة الخارجية ومراكز التفكير والنخب السياسية والاقتصادية المؤثرة في صياغة الرؤية الأميركية تجاه سوريا. وقد أعلن المجلس نفسه أن الحوار ركز على إعادة بناء مؤسسات الدولة، والتعافي الاقتصادي، وجذب الاستثمار، والإصلاح المؤسسي، والعلاقة السورية الأميركية وإعادة الاندماج الإقليمي.
ومن هنا يمكن فهم أهمية الحديث عن الوجود العسكري الأجنبي.
فالشرع تحدث عن تقليص الوجود العسكري الروسي، وتحويل قاعدتين إلى مراكز تدريب للجيش السوري، كما تحدث عن تنظيم الوجود العسكري التركي ضمن أطر قانونية.
الرسالة الأوسع هي أن سوريا الجديدة تريد، تدريجياً، الانتقال من سوريا التي تستضيف قوى خارجية متعددة إلى سوريا التي تحدد بنفسها طبيعة الشراكات والوجود الأجنبي على أراضيها.
وهذه إحدى أهم القضايا التي ستحدد معنى استعادة السيادة السورية خلال المرحلة المقبلة.
الاقتصاد ليس ملفاً منفصلاً عن السياسة الخارجية
في حديث الشرع عن النفط وخطوط النقل والموانئ وربط العراق بالموانئ السورية، ظهر بوضوح بُعد آخر في الرؤية السورية: إعادة تعريف الجغرافيا السورية باعتبارها مورداً استراتيجياً.
فموقع سوريا لا يتعلق فقط بالحدود السياسية، وإنما بموقعها بين الخليج والعراق وتركيا والبحر المتوسط وأوروبا.
وإذا استطاعت دمشق إعادة تأهيل الموانئ والطرق وخطوط الطاقة والمعابر، فإن موقعها الجغرافي يمكن أن يتحول من عامل استنزاف خلال سنوات الحرب إلى عامل قوة اقتصادية في مرحلة التعافي.
ولهذا فإن الحديث عن رفع العقوبات وجذب الاستثمار وإعادة الإعمار لم يكن منفصلاً عن الحديث عن السياسة الخارجية.
فالسياسة الخارجية السورية الجديدة تبدو مرتبطة بصورة متزايدة بفكرة الاقتصاد الجيوسياسي: شراكات، طاقة، نقل، موانئ، تجارة، استثمار، وربط إقليمي.
وهنا تحديداً يمكن أن يصبح موقع سوريا أحد عناصر قوتها التفاوضية، إذا استطاعت تحويل الجغرافيا إلى بنية تحتية واقتصاد منتج.
لقاء الجالية: الرسالة الداخلية من خارج الحدود
أما لقاء الشرع بأبناء الجالية السورية، فقد أدى وظيفة مختلفة.
في الأمم المتحدة كان يخاطب الدول، وفي المجلس الأطلسي كان يخاطب دوائر السياسة والنخب، أما في لقاء الجالية فكان يخاطب السوريين أنفسهم.
ولهذا جاءت اللغة أكثر مباشرة وعفوية، وظهر جانب مختلف من الشخصية السياسية للرئيس، بعيداً عن البروتوكول الرسمي.
لكن الأهم أن اللقاء لم يكن اجتماعاً اجتماعياً فقط؛ فقد حمل رسائل سياسية واقتصادية أيضاً.
فدعوة الكفاءات والخبرات السورية في الاغتراب إلى المشاركة في إعادة الإعمار تعني أن الدولة السورية تريد تحويل الاغتراب من حالة بعيدة عن الداخل إلى رأس مال بشري واقتصادي ودبلوماسي يمكن أن يشارك في المرحلة المقبلة.
وهذه مسألة بالغة الأهمية؛ لأن ملايين السوريين خارج البلاد لا يمثلون فقط جالية، وإنما شبكة واسعة من الخبرات والمهارات والعلاقات الاقتصادية والسياسية.
ملف حمشو: اختبار بين المحاسبة والاستقرار الاقتصادي
ومن أبرز الأسئلة التي طرحت على الشرع في لقاء الجالية كان ملف رجل الأعمال محمد حمشو والتسوية الاقتصادية معه.
قال الشرع إن الدولة صادرت نحو 80% من أمواله وأصوله، وإن الإبقاء على الجزء المتبقي ارتبط، وفق شرحه، بعدم ثبوت كسبه بصورة غير مشروعة، وبالحاجة إلى استمرار عمل المنشآت التي توفر فرص عمل لنحو 40 ألف شخص، مؤكداً أن التسوية المالية لا تمنع أي ملاحقة قضائية في ملفات جنائية أخرى إذا ثبتت المسؤولية.
أهمية هذا الحديث تتجاوز اسم الشخص نفسه؛ لأنه يعكس سؤالاً أكبر يواجه المرحلة الانتقالية:
كيف يمكن للدولة أن تحقق المحاسبة واسترداد الأموال، من دون أن تؤدي الإجراءات الانتقالية إلى تعطيل الاقتصاد أو فقدان آلاف فرص العمل؟
وهو سؤال سيظهر في ملفات كثيرة خلال المرحلة المقبلة، لأن الانتقال السياسي لا يجري في فراغ اقتصادي، بل في بلد يحتاج في الوقت نفسه إلى العدالة وإعادة الإعمار وتشغيل المؤسسات واستعادة النشاط الاقتصادي.
الماضي لم يعد وحده معيار الحكم على المستقبل
من أكثر الملفات حساسية التي واجهها الشرع في المجلس الأطلسي أسئلة ماضيه السياسي والتنظيمي، وهي أسئلة تكشف أن صورة سوريا الجديدة ما زالت مرتبطة في نظر قطاعات من العالم بتاريخ القيادة الجديدة.
الشرع اختار في إجاباته التأكيد على أن المرحلة الحالية يجب أن تُقاس بما يجري بناؤه الآن، مشيراً إلى اختلاف الظروف والأعمار والسياقات التي جرت فيها أحداث الماضي، كما نفى أي صلة له بهجمات 11 سبتمبر.
هذه الإجابات لا تنهي الجدل حول الماضي، لكنها تكشف استراتيجية سياسية واضحة: نقل مركز النقاش من هوية القيادة السابقة إلى أداء الدولة الحالية.
وهذا أحد أصعب الاختبارات أمام القيادة السورية؛ لأن بناء الشرعية الجديدة لا يعتمد فقط على تجاوز الماضي خطابياً، بل على قدرة المؤسسات الجديدة على إنتاج قواعد مختلفة في الحكم والقانون والمساءلة.
السؤال عن الرئاسة المقبلة: الدولة قبل الشخص
وعندما سُئل الشرع عن احتمال ترشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة، لم يقدم جواباً حاسماً، مؤكداً أن الأولوية الحالية هي ترتيب البيت الداخلي وترسيخ الاستقرار.
سياسياً، تحمل هذه الإجابة رسالة مهمة: المرحلة الانتقالية لا تريد، على الأقل في خطابها المعلن، أن تجعل مستقبل الدولة مرتبطاً مبكراً بمستقبل شخص واحد.
وهذا يعيدنا إلى جوهر الرسالة التي ظهرت في أكثر من موقع خلال الزيارة: الانتقال من دولة الشخص إلى دولة المؤسسات.
لكن نجاح هذه الرسالة سيُقاس مستقبلاً بمدى تطور المؤسسات الدستورية والقانونية، وليس فقط بالتصريحات السياسية.
نيويورك كمنصة لإعادة تعريف سوريا
عند جمع التصريحات الثلاثة — أمام الجمعية العامة، ومع الجالية، وفي المجلس الأطلسي — تظهر صورة أكثر تكاملاً.
في الأمم المتحدة كانت الرسالة: سوريا استعادت حضورها الدولي وتريد استعادة سيادتها وموقعها.
وفي المجلس الأطلسي كانت الرسالة: سوريا تريد شراكات سياسية واقتصادية، لكنها تريدها ضمن تصور واضح للدولة والسيادة والمصلحة الوطنية.
وفي لقاء الجالية كانت الرسالة: إعادة بناء سوريا ليست مهمة الحكومة وحدها، وإنما تحتاج إلى السوريين في الداخل والاغتراب.
أما الرسالة المشتركة بينها جميعاً فهي أن دمشق تحاول الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة بناء الدولة.
وهذا يظهر أيضاً في تعدد دوائر الحركة الخارجية السورية: علاقة متنامية مع تركيا، انفتاح عربي، حوار مع الولايات المتحدة، إعادة تنظيم العلاقة مع روسيا، علاقات مع أوروبا، تواصل مع العراق ولبنان، وتفاوض مباشر أو غير مباشر في ملفات الجنوب.
المقصود ليس أن سوريا خرجت من كل أزماتها، بل أن طبيعة الدبلوماسية السورية نفسها بدأت تتغير.
لم تعد دمشق تريد أن تكون موضوعاً للمفاوضات فقط، بل طرفاً فيها.
من "سوريا الساحة" إلى "سوريا الدولة"
لعل أهم ما يمكن استخلاصه من زيارة نيويورك هو أن السياسة الخارجية السورية الجديدة تحاول تثبيت مفهوم مختلف لسوريا.
سوريا ليست ساحة صراع بين القوى الإقليمية والدولية.
وليست مجرد ملف أمني أو إنساني.
وليست فقط دولة تحتاج إلى مساعدات وإعادة إعمار.
بل دولة تمتلك موقعاً جغرافياً، وحدوداً، وموانئ، وموارد، وسكاناً، وطاقات بشرية، ومصالح وطنية، ويمكن أن تكون شريكاً في ترتيبات إقليمية واقتصادية أوسع.
وهنا تصبح استعادة السيادة مرتبطة باستعادة الوظيفة الإقليمية.
فالسيادة لا تعني فقط رفع العلم على الحدود؛ وإنما تعني أيضاً القدرة على اتخاذ القرار، وامتلاك المؤسسات، وإدارة الموارد، وضبط السلاح، وتحديد الشراكات، وتحويل الجغرافيا إلى قوة اقتصادية.
الخلاصة: من إسقاط الماضي إلى صناعة المستقبل
زيارة الشرع الثانية إلى الأمم المتحدة تبدو مختلفة عن الأولى ليس لأن سوريا خرجت من كل تحدياتها، وإنما لأن السؤال الدولي حولها بدأ يتغير.
في المرحلة الأولى كان السؤال: هل تستطيع سوريا الجديدة أن تدخل النظام الدولي؟
أما اليوم فيقترب السؤال من صيغة أخرى: ماذا ستفعل سوريا داخل هذا النظام؟
وهنا تبدأ المرحلة الأصعب.
فالاعتراف الدولي يمكن أن يفتح الأبواب، ورفع العقوبات يمكن أن يوفر مساحة للحركة، والاستثمارات يمكن أن تدعم التعافي، والعلاقات الإقليمية يمكن أن تعيد وصل سوريا بمحيطها.
لكن كل ذلك يحتاج إلى دولة قادرة على إدارة هذه الفرص.
دولة تحتكر السلاح، وتحمي القانون، وتدير التنوع، وتبني المؤسسات، وتحافظ على السيادة، وتعيد تشغيل الاقتصاد، وتستعيد الثقة بين المواطن والدولة.
ومن هذه الزاوية، فإن رسائل نيويورك لم تكن فقط عن السياسة الخارجية السورية، بل عن مشروع الدولة السورية نفسها.
لقد حاول الشرع أن ينقل صورة سوريا من دولة خرجت من حرب وتبحث عن مكان في العالم، إلى دولة تسعى إلى استعادة موقعها وصياغة مصالحها وبناء شراكاتها.
وقد يكون هذا هو الفارق الحقيقي بين خطابين يفصل بينهما عام واحد:
الأول كان خطاب الخروج من الماضي، أما الثاني فكان أقرب إلى خطاب صناعة المستقبل.
والاختبار الحقيقي لن يكون في نيويورك، ولا في قاعة الجمعية العامة، وإنما في دمشق: في قدرة الدولة على تحويل هذه الرسائل الدبلوماسية إلى مؤسسات، وهذه العلاقات إلى شراكات، وهذا الانفتاح إلى اقتصاد، وهذه السيادة المعلنة إلى سيادة فعلية، وهذا الحضور الدولي إلى دور إقليمي مستدام.
فامتلاك المكان في العالم خطوة، أما امتلاك الدور فيه فهو مشروع دولة كامل.
مركز الأبحاث والرؤى المعرفية الشاملة
2026-9-24
#الشرع #سورية #الحدث #الجمعيةالعامة_للأمم_المتحدة