آيات يوسف العبد — باحثة في الشؤون السياسية
ربما لم أكن ممن ينجرفون وراء سفاسف الأمور أو يذرون الطاقات في خوض مراءات عقيمة، بيد أنه حين تنتهك الحقائق الأكاديمية ويهدر الجهد المضني الذي بذلناه، يغدو السكوت تواطؤاً، ويصبح الإبانة فرضا ًحتماً وواجباً لازماً.
ومما يغيب عن أذهان المطلقين للأحكام العشوائية، فارق جوهري يجهلونه بجهل مطبق؛ فكلية العلوم السياسية في جامعة دمشق صرح مستقل بذاته، وشتان بينها وبين معهد العلوم السياسية الذي كان متواجدًا في مدينة التل؛ إذ يتباين منهاج التل تباينًا جذريًا عن مقررات البرامكة. ولقد آن الأوان ليوصد إلى الأبد باب الاستخفاف والتناول السطحي لمنهاج كليتنا العريقة.
إنَّ الزعم القائل بأن دراستنا تقتصر على التلقين الأعمى أو ترديد الأدبيات الحزبية، إنما هو بهتان عظيم يجانب الصواب ويسفه الحقائق. لقد سهرنا الليالي الطوال، وكلّت المقل بين ركام المصادر والمراجع، واستغراقاً في إعداد حلقات البحث، والمناقشات العلمية المعمقة في أقسام الكلية الثلاثة الرئيسة: (قسم العلاقات الدولية، وقسم الدراسات السياسية، وقسم الاقتصاد الدولي)، لنجد أنفسنا فجأة أمام طرائق تفكير سطحية تفتقر لأدنى معايير الموضوعية، وتدعي جزافاً أننا نتلقى مقررات حزبية خالصة!
والحقيقة الأكاديمية الناصعة تتمثل في أن الخريطة الدراسية موزعة على تخصصات علمية دقيقة ومنهجية؛ فلا يعدو الأمر في حيز المقررات السياسية أن يكون مادة علمية واحدة منضوية تحت قسم الدراسات السياسية تحمل عنوان "الأحزاب السياسية"، وهي تدرس خريطة النظم الحزبية والمقارنة في فضاء الوطن العربي بأسره وفق أطيافها وتياراتها بموضوعية علمية بحتة.
أما ما عدا ذلك من مفاصل المنهاج الممتد على أعوام الدراسة الأربع، فهو بناء علمي شاهق يزخر بمعارف العلوم السياسية والاقتصادية؛ إذ يدرس الطالب مقررات تشمل:
- الفكر السياسي وقضايا الفلسفة: (الفكر السياسي القديم، والوسيط، والحديث، والمعاصر، فضلاً عن الفكر السياسي العربي والإسلامي).
-الاقتصاد الدولي والمالية: (مبادئ الاقتصاد، التنمية البشرية، الاقتصاد الدولي، اقتصاديات البلدان النامية، والمالية العامة).
-العلاقات الدولية والدبلوماسية: (القانون الدولي، المنظمات الدولية، النظم الدبلوماسية والقنصلية، إدارة الأزمات والتفاوض الدولي، والجغرافيا السياسية).
- التحليل الكمي والاجتماعي: (مبادئ الإحصاء، الإحصاء التطبيقي في العلوم السياسية، الرأي العام، وعلم الاجتماع السياسي).
وباختصار جامع، نحن أمام منهاج أكاديمي بحثي متكامل الأركان بكل ما تحمله دلالات الاصطلاح والمعنى من عمق.
ولكن، لعل العتب الأكبر لا ينصب فحسب على متسرع أطلق حكماً جائراً، بل يمتد ويستطيل ليشمل كل من أمعن في ترسيخ هذه الصورة المغلوطة داخل المخيال العام، وصولاً إلى شريحة من المتلقين تلقي السمع لكل ما تسطره الشاشات دون أن تكلف نفسها عناء الاستفسار والتحقق، أو الرجوع إلى أهل الاختصاص ومظانهم الحقيقيين من طلاب الكلية وباحثيها.
في دمشق، وفي كنف صرحها العلمي الأصيل، تقف كلية العلوم السياسية راسخة الأطناب لتُشاد في رحابها العقول على قواعد المنهجية العلمية والنزاهة الموضوعية.. ولقد آن للجهل بمنهاجها أن ينجلي، وللعلم أن يتبوأ منزلته الحق من الإنصاف والتقدير.