المهندس أيمن علي، إعلامي وباحث في القضايا الثقافية والاجتماعية
مقدمة: اللحظة التي انكشف فيها الجرح
استفاق المجتمع السوري خلال السنوات الأخيرة على مشهد أكثر إيلاماً: أسر تتفكك، وعلاقات زوجية تتحلل، وعنف أسري يتصاعد بمعدلات غير مسبوقة. لم تكن هذه الظواهر وليدة اللحظة؛ بل كانت حصيلة تراكم بنيوي عميق، ظلّ يتآكل بصمت تحت وطأة أكثر من عقد من الحرب والانهيار الاقتصادي. ومع ظهور معطيات ومرحلة سياسية جديدة أزالت الغطاء الذي كان يخفي هذه الأزمات أو يكبتها، انفجرت في العلن بوصفها "أمراضاً اجتماعية" مزمنة تهدد النسيج المجتمعي السوري برمته.
هذه ليست دراسة جامدة عن أرقام وإحصاءات، بل هي حكاية بيوت سورية تنهار، وحكاية نساء ورجال وأطفال يدفعون ثمن أزمة تجاوزت الاقتصاد إلى أعمق أعماق النفس البشرية.
أولاً: الإطار النظري: لماذا تتفكك الأسرة السورية؟ (قراءة في المرايا المكسورة)
لفهم ما يحدث داخل البيوت السورية، لا بد من تجاوز الظاهر؛ ثمة ثلاثة مفاهيم سوسيولوجية ونفسية تساعدنا على رؤية الصورة كاملة:
الأنومي أو حالة "انعدام القواعد" (Anomie):
عندما تحدث إميل دوركهايم عن "الأنومي"، كان يصف حالة يفقد فيها المجتمع معاييره الأخلاقية والاجتماعية التي تنظم سلوك الأفراد. في سورية اليوم، انهار الاقتصاد، وتآكلت الطبقة الوسطى، وغابت مؤسسات الضبط الاجتماعي. والنتيجة هي حالة من السيولة المجتمعية، تصبح فيها الحلول الجذرية كالطلاق والعنف أكثر قبولاً وسهولة كوسيلة هروب.
تآكل رأس المال الاجتماعي:
لم يفقد السوريون أموالهم وبيوتهم فحسب، بل فقدوا أيضاً شبكات العلاقات والثقة والتعاون التي كانت تشكل رصيدهم الاجتماعي. فقد تفككت العائلات الممتدة، وتدمرت العلاقات الجوارية، وانقطعت شبكات الدعم التقليدية التي كانت تعمل كصمام أمان ضد التفكك.
الصدمة الجماعية والجرح النفسي العميق:
تتسم الصحة النفسية للسوريين بـ "عبء متزايد" من الضائقة العاطفية، وهي قضايا تظل غير مُبلَّغ عنها بشكل كافٍ بسبب الوصم والخوف. والصدمة الجماعية تعني أن المجتمع بأكمله يعيش في حالة تأهب قصوى، مما يجعله أقل قدرة على التحمل وأكثر عرضة للانفجار العاطفي والسلوكي.
ثانياً: السياق البنيوي: الأزمة الاقتصادية كمحرّك للتفكك
إن الأزمة الاقتصادية ليست مجرد خلفية للأحداث، بل هي المولد الرئيسي للضغط النفسي والاجتماعي داخل الأسرة:
ثالثاً: الطلاق في سورية: عندما يصبح الفراق هو الحل
شهدت معدلات الانفصال تحولات خطيرة يعكسها المسار البياني للأرقام:
مؤشرات الأرقام والنسب: في عام 2022، سجّلت سورية 46,827 حالة طلاق مقابل 225,549 عقد زواج (بنسبة 12.4%). لكن الأرقام في عام 2025 جاءت مرعبة؛ حيث سجلت محافظة حلب نسبة طلاق بلغت 52.4%، بينما شهدت دمشق وريفها الآلاف من دعاوى المحاكم الشرعية (كما وثقت صحيفة العربي الجديد ووسائل إعلام محلية). وعلى مستوى البلدات، سجلت داريا وحدها أكثر من 270 حالة طلاق خلال عام 2025.
الفقر والغياب كمحركات رئيسية: يؤكد قانونيون أن الفقر والغياب القسري أو الهجرة هما العائل الأكبر لارتفاع المحاكم الشرعية بالقضايا.
ظاهرة الطلاق المبكر: تصاعدت حالات الطلاق خلال السنوات الخمس الأولى من الزواج لتشكل نحو ثلثي إجمالي الحالات. ويُعزى ذلك إلى سهولة اتخاذ القرار في ظل الضغوط، واللجوء للحلول السريعة هرباً من الواقع، وتدخل الأهل، والمقارنات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فضلاً عن تأخر سن الزواج والعزوف عنه أصلاً بسبب تكاليف المعيشة.
رابعاً: العنف الأسري: عندما يتحول المنزل إلى مسرح للجريمة
لم يتوقف التفكك عند حدود الانفصال القانوني، بل تجاوز ذلك إلى العنف الداخلي القاتل:
تصاعد وتيرة العنف: تؤكد تقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان (2025) أن العنف الجسدي، وعنف الشريك، الإساءة النفسية أصبحت أكثر حدة.
ديناميكية الإحباط والعجز: تلعب الضائقة المالية دوراً سببياً مباشراً؛ فعندما يفقد المعيل عمله ودخله مع استمرار ارتفاع الأسعار، يُنتج ذلك شحنات من الإحباط والعجز تترجم مباشرة إلى سلوكيات عنيفة داخل المنزل ضد النساء والأطفال.
خامساً: انسداد الآليات: لماذا تعجز أدوات الاحتواء التقليدية؟
تفكك شبكات الدعم الاجتماعي: أدى النزوح والهجرة والتشتت الجغرافي إلى إجهاض الدور التاريخي للعائلة الممتدة والجيران في التدخل ورأب الصدع.
غياب وغلاء آليات الدعم النفسي: تسبب نقص التمويل وإغلاق مراكز الحماية في تقليص فرص النجاة والمشورة النفسية للمعنفين والمعنفات.
الضغط الهائل على المحاكم الشرعية: أدى تراكم آلاف الملفات إلى عجز المنظومة القضائية عن مواكبة الكم الهائل من المعاملات بالسرعة والدقة المطلوبة للحد من التفكك.
سادساً: التداعيات على البنية المجتمعية والجيل القادم
خاتمة: هل يمكن بناء سورية الجديدة دون بناء أسرتها أولاً؟
تكشف هذه القراءة أن الطلاق والعنف الأسري ليسا مجرد عرضين جانبيين أو ظواهر عابرة، بل هما تعبير صارخ عن أزمة بنيوية هيكلية. وبناءً عليه، فإن أي مشروع لإعادة الأعمار أو التعافي الوطني لن يكتب له النجاح ما لم يضع حماية الأسرة في مقدمة أولوياته عبر:
استعادة الأمن الاقتصادي ودعم دخل الأسر.
إعادة بناء شبكات الحماية الاجتماعية والتمكين والمراكز التخصصية.
توفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي ومراكز الإرشاد الأسري المتاحة للجميع.
ويبقى السؤال الأهم والأكثر إلحاحاً أمام الجميع: هل يمكن بناء سورية الجديدة دون ترميم وبناء أسرتها أولاً؟
تحليل سوسيولوجي لتصاعد العنف الأسري والطلاق في ظل الأزمة الاقتصادية خلال العقد الأخير.pdf
المراجع المعتمدة:
البنك الدولي (حزيران 2025). تقرير سورية الاقتصادي.
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (2025). تقرير التنمية البشرية في سورية.
صندوق الأمم المتحدة للسكان (2025). تقرير "أصوات" حول العنف القائم على النوع الاجتماعي في سورية.
مركز التوثيق والبحث ISDC (2026). Can economic and social support mitigate intimate partner violence in Syria.
صحيفة القدس العربي (26 آب/أغسطس 2025). "الفقر والغياب من أسباب ارتفاع الطلاق".
صحيفة العربي الجديد (8 تشرين الثاني/نوفمبر 2024). "الطلاق وعدم الزواج... أرقام غير مسبوقة في سورية".
صحيفة الثورة السورية (11 أيلول/سبتمبر 2026). "جيل بلا آباء".
صحيفة الثورة السورية (13 أيلول/سبتمبر 2026). "عندما يتحول المنزل إلى مسرح للجريمة".
عنب بلدي – داريا (10 آب/أغسطس 2026). "أكثر من 270 حالة طلاق في داريا خلال 2025".
منصة 7al.net (15 شباط/فبراير 2026). "اقتصاد منهار وشعب جائع".