بقلم: دانيا النابلسي- باحثة في العلاقات الاقتصادية الدولية
حين تدق الأقدار باب الإنسان في مقتبل العمر، لا تترك له خياراً سوى المواجهة أو الانكسار. هذه هي حكاية الفتاة العشرينية روان التي بدأت رحلتها مع قسوة المرض في شهر أيار من عام 2022، حين لاحظت انتفاخاً في رقبتها وهي لم تتجاوز الحادية والعشرين من عمرها، وكانت حينها طالبة في السنة الثانية تخصص تقانة المعلومات (IT) في الجامعة الافتراضية.
البداية الجراحية وقسوة العلاج:
لم تكن البداية سهلة؛ فقد بدأت رحلة العلاج الطويلة في سورية، وتحديداً في مشفى البيروني، حيث تلقت روان 22 جرعة كيماوي ضمن بروتوكولات مختلفة. ورغم قسوة العلاج، إلا أن الجسد كان يتراجع نحو الأسوء وسط غياب أي مؤشرات للتحسن، لتبدأ النفسية بالتأثر تحت وطأة الألم والمرض.
لم تستسلم روان لظروفها، بل واصلت طريقها الجامعي بإصرار عجيب، وكأن القدر كان يتعمد اختبار صبرها؛ فدائماً ما كانت مواعيد الجرعات تتزامن بدقة مع أيام الامتحانات. تتذكر تلك اللحظات الصعبة حين كانت تتلقى الجرعة ليطرق الامتحان بابها في اليوم التالي، أو بعد ثلاثة أيام فحسب، بل ووصل الأمر أحياناً إلى تقديم المادة الامتحانية والتوجه فوراً إلى المشفى للحاق بموعد الجرعة، في صراع مرير بين ضغط التفكير وقسوة المواجهة، وحين كانت نظرة الوالدين والأهل تشكل تلك الطاقة الخفية التي تدفعها لتجاوز خط النهاية في كل امتحان وفي كل جلسة علاج.
ثقل الكيماوي وتفاصيل المعاناة:
أعراض الكيماوي لم تكن هينة، فهي تمتد لأيام طويلة بعد كل جرعة؛ حيث الإقياء المستمر، تساقط الشعر، ارتفاع الحرارة، أوجاع الرأس والجسم، الدوخة، التنميل، والخدران. والأقسى من ذلك كله هو تأثيره على الدماغ فيما يُعرف بـ "تشوش الدماغ"، والذي يورث فقدان التركيز، النسيان، وقلة الإدراك والفهم، لتصبح حياة المريضة أبطأ بكثير مقارنة بمن حولها. ومع كل هذه المعاناة، جاء توفيق الله ورضا الوالدين ليكون السند الأول، لتكلل جهودها بالتخرج في أيلول 2024 بعد تقديم آخر مواد سنة التخرج.
عتبة الأمل الجديدة: الأردن ومركز الحسين للسرطان:
في أيلول 2024، انفتح باب الفرج مع السفر إلى الأردن لمتابعة مسيرة العلاج. وحين يشاء الله، تتهيا الأسباب رغم انعدامها ظاهرياً؛ فبدعم الأهل، الأقارب، الأصدقاء، وأهل الخير وأصحاب الأيدي البيضاء الذين لم يكونوا مجرد داعمين مادياً، بل كانوا طوق نجاة معنوي أعاد إحياء الأمل في لحظات اليأس، وأثبتوا أن التكافل المجتمعي يصنع المعجزات.
بفضل التبرعات ودعم صناديق الخير، دخلت روان إلى "مركز الحسين للسرطان" في رحلة علاج مناعي استمرت سنتين، تلتها جلسات كيماوي، لتُظهر صور الأشعة أخيراً نسبة شفاء بلغت 99%. وتبع ذلك الاستعداد لعملية زراعة نقي العظم التي أتمتها بنجاح، لتلمس الفارق الكبير في جودة العلاج والعناية الطبية الممتازة.
صرخة أمل وضرورة التطوير الصحي:
من قلب هذه التجربة القاسية، تبرز رسالة إنسانية ووطنية ملحة؛ تمني ألا يضطر أي مريض سوري للسفر بحثاً عن فرصة حياة، وأن تنعم المشافي في سورية بذات الجودة العالية، مع توفير الأدوية المفقودة، والأجهزة الحديثة، والأدوات، وعوامل العقامة الأساسية، لتكون رعاية مرضى السرطان حقاً أساسياً ومتاحاً للجميع على أرض الوطن. كما كشفت هذه الرحلة عن حاجة ماسة لا غنى عنها تتمثل في وجود أقسام علاج نفسي للمرضى تساعدهم على تخطي الألم النفسي والجسدي وتقوية عزيمتهم وسط المعركة.
دروس من رحلة الأربع سنوات وفلسفة الأمل (2022 - 2026):
استمرت رحلة المرض لأربع سنوات قاسية قبل الوصول لعملية الزراعة، وما كانت لتُقطع هذه الخطوات لولا وقوف الأهل وأهل الخير إلى جانب روان.
لقد علّمها هذا المرض أن الأبواب حين تغلق، يبقى باب الله مفتوحاً على مصراعيه؛ فبالدعاء والصبر يتغير كل مستحيل في تفكيرنا. ولم يعد المرض مجرد محنة جسدية، بل تحول إلى مدرسة حقيقية في الحياة أعادت صياغة المعايير؛ فعرفت روان من خلاله القيمة الحقيقية لثانية العافية، وللنَفَس الهادئ الذي لا يُدرك معناه الحقيقي إلا من فقدها، لتكون نعمة الحمد هي المفتاح الذي يمنح الإنسان رضا مطلقاً بقضاء الله، ليرضى عنه ويدهشه بعطائه.